في محاولة جديدة لدفع عملية التطبيع مع دمشق، خرج الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، بتصريحات قال فيها إن «إسرائيل تعلن بوضوح أنها ستحتل دمشق بعد لبنان»، داعياً إلى المضي في خريطة الطريق التي ترسمها بلاده «للسلام في سوريا»، وإلى الانخراط في «التضامن الدولي» ضد إسرائيل، التي رأى أنها «باتت تشكل خطراً على تركيا أيضاً». وحملت تصريحات إردوغان، والتي أدلى بها في الطائرة خلال عودته من ألبانيا، ونشرتها «دائرة الاتصال في الرئاسة التركية»، إشارات عديدة، بدءاً من مخاطر إسرائيل، والدعوة إلى الاتحاد في وجهها، وليس انتهاء بالتذكير بمخاطر المشروع الكردي الذي تدعمه الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وألمانيا، ومقارنة هذا المشروع بالعدوان الإسرائيلي، عبر وصف الحالتين بأنهما تتسبّبان بـ «تقسيم سوريا»، فضلاً عن الدعوة إلى العمل المشترك لمنع حدوث ذلك عبر تعاون «مع دمشق وطهران وموسكو».
وتأتي التصريحات الجديدة للرئيس التركي قبل لقاء منتظر يجمعه مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، من المتوقّع أن يشغل الملف السوري حيزاً كبيراً فيه، خصوصاً بعد أن دخلت المساعي الجديدة للتطبيع بين أنقرة ودمشق، بوساطة روسية وإيرانية وعراقية، حالة جمود جديدة على خلفية تأزّم الأوضاع الإقليمية جرّاء حرب الإبادة التي تشنّها إسرائيل على غزة ولبنان، وشنها اعتداءات متواصلة على سوريا. كما تأتي في ظل ثبات الموقف السوري الرافض لأي مراوغات سياسية جديدة مع تركيا، والداعي إلى تأسيس أرضية واضحة للحوار بين البلدين، يتم خلالها تعريف الإرهاب بشكل دقيق والعمل على محاربته، وجدولة انسحاب القوات التركية من الأراضي السورية.
ويحمل حديث إردوغان المتواصل عن مخاطر إسرائيل، ودمج هذه المخاطر بالملف المعلّق مع سوريا، إشارات غير مباشرة إلى حالة الود والانفتاح الكبيرة بين البلدين، والتي ساهم الموقف المشترك من الاعتداءات الإسرائيلية في تقويتها إثر حرب تموز 2006، وما تبعها من علاقات قوية ومتينة خلال الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2008، لتصل إلى ذروتها عام 2010 بعد الاعتداء الإسرائيلي على «أسطول الحرية» التركي، والذي كان يحمل مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة. على أن الأوضاع بين سوريا وتركيا تبدّلت كلياً بعد انقلاب الأخيرة عام 2011 على دمشق، ودعم محاولة إسقاط الحكومة السورية بشتى السبل، بما فيها إدخال جماعات متشدّدة ودعمها بالمال والسلاح، وتدريب جماعات مسلحة، تستعملها تركيا في الوقت الحالي للسيطرة على بعض المناطق في الشمال السوري، والتي تتّبع فيها سياسة تتريك مشدّدة، تتضمّن فرض العملة التركية، واللغة التركية في المدارس، وإتْباع تلك المناطق لسلطة ولاة أتراك.
الرئيس التركي يدعو إلى منع تقسيم سوريا عبر تعاون مع دمشق وطهران وموسكو
وبالتزامن مع تصريحات إردوغان، أعلنت وزارة الخارجية التركية رفضها تمديد الولايات المتحدة عقوباتها على سوريا، مشدّدة على أن هذا السلوك «لا يتوافق مع الحقائق على الأرض»، داعيةً، عبر بيان أصدره المتحدث باسمها، أونجو كتشلي، إلى «دعم السياسات التركية التي تركّز على وحدة الأراضي السورية، بدلاً من تكرار مثل هذه التصرفات». وتمثّل العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا، إحدى أبرز العقد التي تحول دون تمهيد الأرض أمام عودة اللاجئين السوريين، الذين تسعى تركيا، عبر محاولة انفتاحها على سوريا، إلى التخلّص منهم. إذ يتطلّب فتح الباب أمام عودتهم عمليات إعادة إعمار للبنى التحتية التي دُمّرت خلال الحرب، بالإضافة إلى توفير مقومات الحياة الأساسية، بما فيها الطاقة، والتي تحاصرها الولايات المتحدة عبر عقوباتها من جهة، وسيطرتها على حقول النفط في الشرق السوري، من جهة أخرى.
وفي السياق ذاته، فتحت عودة عشرات آلاف النازحين من لبنان، هرباً من الاعتداءات الدموية الإسرائيلية، الباب أمام الأردن لبحث إمكانية تخلّصه هو الآخر من عبء اللاجئين السوريين. والجدير ذكره أن المبادرة العربية، التي تم الاتفاق عليها في عمّان، وضعت مسألة حل مشكلة اللاجئين في رأس قائمة العمل العربي المشترك، والذي تعرّض للتجميد هو الآخر بسبب الموقف الأميركي الرافض لإحداث أي تغييرات في الأوضاع في سوريا، بما فيها حل «أزمة اللاجئين الإنسانية»، وفق تصريحات أميركية عديدة ربطت حل هذه الأزمة بـ»ثمن سياسي يجب على دمشق أن تدفعه».
والمساعي الأردنية الجديدة لحل مشكلة اللاجئين، ناقشها الملك الأردني، عبد الله الثاني، خلال اجتماع رباعي في مدينة بافوس القبرصية، على هامش قمة دول جنوبي أوروبا، ضم رئيس قبرص، نيكوس خريستودوليدس، ورئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، التي أعادت مؤخراً علاقة بلادها مع سوريا، ورئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين. وبحسب وكالة الأنباء الأردنية الرسمية (بترا)، ركّز الاجتماع على «الجهود المبذولة للاستجابة لأزمة اللجوء السوري»، إذ شدد الملك الأردني على «ضرورة تحمّل المجتمع الدولي مسؤولياته تجاه اللاجئين السوريين والدول المستضيفة لهم، والتوصّل إلى حل سياسي للأزمة السورية، يحفظ وحدة سوريا وتماسكها ويعيد لها أمنها واستقرارها، ويهيئ ظروف العودة الطوعية للاجئين».

